الغزالي

356

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

71 - باب : في ذم اتباع الهوى ، وفي بيان الزهد قال اللّه تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ « 1 » الآية . قال ابن عباس : ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من اللّه ولا برهان ، والمعنى : هو مطواع لهوى النفس ، يتّبع ما تدعوه إليه ، ولا يعمل بكتاب اللّه ، فكأنه يعبد هواه . وقال تعالى : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ « 2 » . وقال تعالى : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 3 » ولذلك استعاذ صلّى اللّه عليه وسلّم منه بقوله : « اللهم إني أعوذ بك من هوى مطاع ، وشحّ متّبع » . وقال : « ثلاث مهلكات هوى مطاع ، وشحّ متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه » . وذلك لأن كلّ معصية سببها هوى النفس ، فهو يقود إلى النار ، أعاذنا للّه منه . قال بعض العارفين : إذا بدهك أمران لا تدري في أيّهما الصواب ، فانظر أيّهما أقرب إلى هواك فخالفه . وفي هذا المعنى قال الشافعي رضي اللّه عنه : إذا جال أمرك في معنيين * ولم تدر حيث الخطأ والصواب فخالف هواك فإن الهوى * يقود النفس إلى ما يعاب وقال العباس : إذا اشتبه عليك رأيان ، فدع أحبّهما إليك ، وخذ أثقلهما عليك . وأصله أن الأمر الخفيف يسهل عليك موقعه ، ويقرب موضعه ، وتخفّ مؤونته وتأتي معونته فينشرح المرء إليه ؛ وتحرص النفس عليه . والأمر الثقيل يصعب موقعه ، ويعد موضعه ، وتبطىء معونته ، فتكسل النفس عنه ، وتكره التعب به .

--> ( 1 ) سورة الجاثية ، الآية : 23 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 49 . ( 3 ) سورة ص ، الآية : 26 .